الإمام يحيى بن الحسين
50
مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم
مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا [ المجادلة : 7 ] ، وقال : وَما كُنَّا غائِبِينَ [ الأعراف : 7 ] ، يعني في جميع ذلك أن علمه محيط بهم ، لا أنه داخل في شيء من الأشياء كدخول الشيء في الشيء ، ولا خارج من الأشياء بائن عنها فيغبى عليه شيء من أمورهم ، بل هو العالم بنفسه ، وأنه عز وجل شيء لا كالأشياء ؛ إذ الأشياء من خلقه وصنعه ، وقال عز وجل : قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ [ الأنعام : 19 ] ، فذكر سبحانه أنه شيء ؛ لإثبات الوجود ونفي العدم ، والعدم لا شيء . العدل ثم يعلم أنّه عز وجل عدل في جميع أفعاله ، ناظر لخلقه ، رحيم بعباده ، لا يكلفهم ما لا يطيقون ، ولا يسألهم ما لا يجدون ، و لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً [ النساء : 40 ] ، وأنه لم يخلق الكفر ولا الجور ولا الظلم ، ولا يأمر بها ، ولا يرضى لعباده الكفر ، ولا يظلم العباد ، ولا يأمر بالفحشاء ، وذلك أنه من فعل شيئا من ذلك ، أو أراده أو رضي به ، فليس بحكيم ولا رحيم ، وإن اللّه لرءوف رحيم ، جواد كريم متفضل ، وأنه لم يحل بينهم وبين الإيمان ، بل أمرهم بالطاعة ، ونهاهم عن المعصية ، وأبان لهم طريق الطاعة والمعصية ، وهداهم النجدين ، ومكنهم من العملين ، ثم قال : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [ الكهف : 29 ] ، وقال : فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [ الانشقاق : 20 ] ، وقال : وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [ النساء : 39 ] ، أو يأمرهم بالكفر ؛ ثم يقول : وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ [ آل عمران : 101 ] ؟ أو يصرفهم عن الإيمان ، ثم يقول : فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [ يونس : 32 ] ؟ أو يقضي عليهم بقتل الأنبياء صلى اللّه عليهم ؛ ثم يقول : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ البقرة : 91 ] ؟ أفعال العباد واللّه عز وجل بريء من أفعال العباد ، وذلك قوله تبارك وتعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ